محمد بن جرير الطبري

72

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

قال : قدم الفضل ، وأمسك ما يبلغك . القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : الحلال فيها . وقوله : وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ يقول : وأحسن في الدنيا إنفاق مالك الذي آتاكه الله ، في وجوهه وسبله ، كما أحسن الله إليك ، فوسع عليك منه ، وبسط لك فيها . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ قال : أحسن فيما رزقك الله . وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ يقول : ولا تلتمس ما حرم الله عليك من البغي على قومك . إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ يقول : إن الله لا يحب بغاة البغي والمعاصي . القول في تأويل قوله تعالى : قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ . . . الْمُجْرِمُونَ يقول تعالى ذكره قال قارون لقومه الذين وعظوه : إنما أوتيت هذه الكنوز على فضل علم عندي ، علمه الله مني ، فرضي بذلك عني ، وفضلني بهذا المال عليكم ، لعلمه بفضلي عليكم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا أبو سفيان ، عن معمر ، عن قتادة قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي قال : على خبر عندي . قال : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي قال : لولا رضا الله عني ومعرفته بفضلي ما أعطاني هذا ، وقرأ : أَ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً الآية . وقد قيل : إن معنى قوله : عِنْدِي بمعنى : أرى ، كأنه قال : إنما أوتيته لفضل علمي ، فيما أرى . وقوله : أَ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً يقول جل ثناؤه : أو لم يعلم قارون حين زعم أنه أوتي الكنوز لفضل علم عنده علمته أنا منه ، فاستحق بذلك أن يؤتى ما أوتي من الكنوز ، أن الله قد أهلك من قبله من الأمم من هو أشد منه بطشا ، وأكثر جمعا للأموال ؛ ولو كان الله يؤتي الأموال من يؤتيه لفضل فيه وخير عنده ، ولرضاه عنه ، لم يكن يهلك من أهلك من أرباب الأموال الذين كانوا أكثر منه مالا ، لأن من كان الله عنه راضيا ، فمحال أن يهلكه الله ، وهو عنه راض ، وإنما يهلك من كان عليه ساخطا . وقوله : وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ قيل : إن معنى ذلك أنهم يدخلون النار بغير حساب . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا سفيان ، عن عمر ، عن قتادة وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ قال : يدخلون النار بغير حساب . وقيل : معنى ذلك : أن الملائكة لا تسأل عنهم ، لأنهم يعرفونهم بسيماهم . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ كقوله : يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ زرقا سود الوجوه ، والملائكة لا تسأل عنهم قد عرفتهم . وقيل معنى ذلك : ولا يسأل عن ذنوب هؤلاء الذين أهلكهم الله من الأمم الماضية المجرمون فيم أهلكوا . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا موسى بن عبيدة ، عن محمد بن كعب وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ قال : عن ذنوب الذين مضوا فيم أهلكوا . فالهاء والميم في قوله عَنْ ذُنُوبِهِمُ على هذا التأويل . . . عن ذنوب الذين مضوا فيم أهلكوا لمن الذي في قوله : أَ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وعلى التأويل الأول الذي قاله